حين ننظر إلى مشروع رسم خريطة مليمتر مكعب واحد من الدماغ البشري
بسم الله الرحمن الرحيم﴿هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ سورة لقمان
حين ننظر إلى مشروع رسم خريطة مليمتر مكعب واحد من الدماغ البشري، فنحن لا نتأمل إنجازًا تقنيًا عابرًا، بل نقف أمام لوحة رقمية تكشف حدود العلم البشري أمام عظمة الخلق الإلهي. المشروع بدأ عام 2014، ونُشرت نتائجه الأولى في مجلة Science في مايو 2024، وهو ثمرة تعاون بين جامعة هارفارد وجوجل، وما زال يتوسع حتى 2025 و2026.
العينة التي جرى تحليلها لا تتجاوز 1 مليمتر مكعب، أي واحدًا على مليون تقريبًا من حجم الدماغ الكامل الذي يتراوح بين 1.2 إلى 1.4 مليون مليمتر مكعب. ورغم صغر هذا الجزء، استغرق العمل عليه 10 سنوات كاملة. عملية التصوير وحدها امتدت 326 يومًا. تم تقطيع النسيج إلى نحو 5,000 شريحة، سُمك كل شريحة بين 30 و34 نانومترًا، أي أرق آلاف المرات من سُمك ورقة عادية أو شعرة إنسان. استُخدم مجهر إلكتروني متعدد الحزم تبلغ تكلفته نحو 6 ملايين دولار، لالتقاط ملايين الصور عالية الدقة.
بعد التصوير، ظهرت معضلة البيانات. حجمها تجاوز قدرة البشر على التجميع اليدوي، فاستُخدمت نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة من جوجل لإعادة بناء نموذج ثلاثي الأبعاد بدقة نانومترية. الخوارزميات صنفت الخلايا والوصلات العصبية باستخدام تقنيات تعلم آلي متطورة.
النتائج الرقمية مذهلة:
نحو 57,000 خلية داخل هذا الجزء، منها قرابة 16,000 خلية عصبية فعلية، إضافة إلى خلايا دبقية وأوعية.
حوالي 150 مليون نقطة اتصال عصبي.
ما يقارب 230 مليمترًا من الأوعية الدموية الدقيقة.
حجم بيانات خام يبلغ 1.4 بيتابايت، أي نحو 1.4 مليون جيجابايت.
كل ذلك من مساحة أصغر من حبة أرز.
إذا حاولنا تصور خريطة كاملة للدماغ بنفس الدقة، فسنحتاج إلى 1.4 إلى 1.6 زيتابايت من البيانات، أي ما يقارب مليار تيرابايت. العالم في 2026 ينتج قرابة 221 زيتابايت من البيانات سنويًا، ما يعني أن خريطة دماغ واحد قد تساوي نسبة معتبرة من إنتاج الكوكب الرقمي لعام كامل. تكلفة التخزين قد تصل إلى 50 مليار دولار، مع مركز بيانات بمساحة 140 فدانًا تقريبًا، أي نحو 560 ألف متر مربع.
داخل هذه الخريطة ظهرت اكتشافات غير مسبوقة:
خلية عصبية واحدة تحمل أكثر من 5,000 نقطة اتصال.
محاور عصبية ملتفة بشكل حلزوني لا يزال تفسيرها غير محسوم.
مجموعات خلايا تنمو بنمط مرآتي متناظر.
جيف ليختمان، قائد الفريق، أشار إلى وجود فجوة واسعة بين ما نعرفه وما نحتاج إلى معرفته لفهم هذا النظام.
الخطوة القادمة ليست رسم الدماغ البشري كاملًا، بل دراسة هيبوكامبس فأر بحجم 10 مليمترات مكعبة خلال خمس سنوات، لأن دماغ الفأر أكبر بنحو 1,000 مرة من الجزء الذي جرى تحليله. في 2025، أنتج مشروع MICrONS خريطة لقشرة بصرية في فأر بحجم 1 مم مكعب، تضم أكثر من 200,000 خلية و1.6 بيتابايت بيانات. وفي 2026 ظهرت تقنيات مثل SmartEM لتسريع المسح الإلكتروني سبع مرات.
المفارقة الكبرى أن الدماغ البشري يعمل بطاقة تقارب 20 واط فقط داخل الجمجمة. في المقابل، نحتاج إلى مراكز بيانات هائلة ومليارات الدولارات لوصف واحد على مليون من بنيته بدقة رقمية.
العلم يتقدم، لكن كل رقم جديد لا يزيد إلا وضوحًا لحقيقة أعمق: هذا البناء المتوازن بين التعقيد والكفاءة، بين الطاقة المحدودة والشبكة الهائلة، ليس نتاج مصادفة عمياء، بل دليل قائم على عظمة الخالق سبحانه وتعالى. كلما تعمق الإنسان في التفاصيل، اتضح له أن ما بين يديه ليس مجرد عضو بيولوجي، بل آية قائمة من آيات الله في خلقه.
